
وفي خطابه الذي وجهه للشعب الأميركي مساء أمس (بالتوقيت الأميركي)، ركز أوباما على أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد ارتكب بذلك 'جريمة ضد الإنسانية' باستخدام الغازات السامة ضد المدنيين، 'الأمر الذي يذكر بعمل النازية التي واجهتها أوروبا في القرن الماضي'.
واعتبر أن الثورة في سوريا ضد حكم الأسد تحولت إلى حرب أهلية خلفت عشرات آلاف القتلى والجرحى إضافة إلى ملايين المشردين.
وأضاف أن مجرى هذه الحرب قد تغير مع الهجوم الكيميائي 'المثير للاشمئزاز' الذي نفذه نظام بشار الأسد مؤخرا، و'أظهرت بشاعته' الصور التي تم تداولها وأظهرت 'مأساة إنسانية حقيقية'.
واعتبر أوباما أن استخدام هذا السلاح يشكل خطرا على أمن الولايات المتحدة وعلى أمن العالم.
ولفت أوباما إلى أن المعلومات لدى بلاده تؤكد أن نظام الأسد مسؤول عن الهجمات الكيميائية، وأن هذا النظام قد قام بتوزيع أقنعة على جنوده قبل فترة من توجيه هجماته بالغازات المميتة، وأنه بعد استخدام هذا السلاح اكتظت المستشفيات بالقتلى والمصابين.
وذكر أن اتخاذ إجراء حاسم ضد نظام الأسد سيحقق مصلحة أميركية، حيث سيكون ذلك رادعا للأسد أو لغيره إذا ما فكر في استخدام السلاح الكيميائي مستقبلا.
وأضاف أن توجيه ضربة للسلاح الكيميائي السوري سيحقق كذلك حماية لحلفاء الولايات المتحدة القريبين من سوريا كتركيا والأردن وإسرائيل.
وأكد الرئيس الأميركي في الوقت نفسه على ترحيبه بأي حل دبلوماسي للمسألة، ولكن بضمانات دولية تؤدي للتخلص من السلاح الكيميائي السوري، مضيفا أنه في حال فشلت هذه الجهود فسيكون توجيه ضربة ضد النظام السوري ضروريا.
وعن هذه الضربة المحتملة، حرص أوباما على التأكيد بأنها ستكون محدودة الزمان والمكان، وأن واشنطن لن تكرر ما قامت به في كل من العراق وأفغانستان، وأن الجنود الأميركيين لن يتواجدوا على الأراضي السورية.
وإزاء احتمال أن يشكل ضرب سوريا تهديدا للأمن الأميركي، استبعد أوباما ذلك، واعتبر أن النظام السوري أقل من أن يشكل تهديدا للأمن الأميركي.
وقال إن الضربة الأميركية لن تهدف إلى إسقاط النظام الحاكم في دمشق، ولكنها ستدمر السلاح الكيميائي في سوريا.
وفي ختام خطابه حث أوباما الأميركيين وأعضاء الكونغرس على مساندة القوات المسلحة الأميركية لتوجيه عمل عسكري ضد سوريا.
من جهة أخرى يتوقع أن تطرح فرنسا مسودة قرار في مجلس الأمن الدولي يمهل سوريا 15 يوما لتكشف بشكل كامل عن برنامجها للأسلحة الكيميائية، كما تقضي المسودة بأن تفتح دمشق على الفور جميع المواقع المرتبطة بهذه الأسلحة أمام مفتشي الأمم المتحدة تحت طائلة التعرض لإجراءات عقابية محتملة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وتقول مسودة القرار إن مجلس الأمن يعتزم 'في حالة عدم تقيد السلطات السورية ببنود هذا القرار تبني مزيد من الإجراءات الضرورية بموجب الفصل السابع'. ويقول دبلوماسيون في المنظمة الدولية إن الإشارة إلى هذا الفصل جعلت موسكو تحجم عن مساندة المسودة الفرنسية.
وكان متحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية قال الثلاثاء إن باريس مستعدة لتعديل مسودتها التي تخير سوريا بين التخلي عن السلاح الكيميائي ومواجهة تحرك عسكري ضدها، وأضاف المتحدث 'نحن مستعدون لتعديل المسودة طالما احتفظ بمبادئها الأساسية والغاية منها'.
وكان اجتماع لمجلس الأمن حول سوريا تقرر الثلاثاء في الثامنة مساء بتوقيت غرينتش قد أجل بطلب من روسيا ولم تقدم توضيحات حول سبب التأجيل، من جانب آخر تجري كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة مباحثات في الأمم المتحدة حول مضمون مشروع قرار لمجلس الأمن حول الأسلحة المذكورة.
وفي هذه الأثناء دعا الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لاجتماع صباح الأربعاء مع وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان ومسؤولين آخرين بارزين، وسيكون ملف سوريا موضوعه.
وتأتي هذه التحركات عقب طرح موسكو مبادرة لوضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت رقابة أممية، في مسعى لتفادي ضربة عسكرية محتملة تنفذها واشنطن وحلفاؤها ضد دمشق، وقد قبلت الأخيرة هذه المبادرة، غير أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدد على أن مبادرة بلاده لا يمكن تنفيذها قبل أن تتخلى الولايات المتحدة عن توجيه ضربة عسكرية لسوريا.
مجال للدبلوماسية
من جانب آخر، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب وجهه للشعب الأميركي الأربعاء إنه من المبكر جدا القول إذا كان مسعى دبلوماسي لحمل الرئيس السوري بشار الأسد على تسليم السيطرة على أسلحة بلاده الكيميائية سيكلل بالنجاح، وذلك في إشارة للمقترح الروسي، وأضاف أوباما أن 'أي اتفاق يجب أن يضمن التحقق من وفاء نظام الأسد بالتزاماته، لكن هذه المبادرة من الممكن أن تزيل خطر الأسلحة الكيميائية دون استخدام القوة'.
وكان الرئيس الروسي صرح الثلاثاء بأنه اتفق مع أوباما في محادثات على هامش قمة مجموعة العشرين على تكثيف الجهود للتحفظ على الأسلحة الكيميائية السورية وبحث وضعها تحت رقابة دولية.
وذكر مسؤولون أميركيون أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري سيجتمع مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في جنيف الخميس لمناقشة مسألة الأسلحة الكيميائية السورية، وصرح كيري في وقت سابق الثلاثاء بأنه من المتوقع أن يرسل إليه لافروف المقترحات الروسية بشأن تأمين الأسلحة الكيميائية السورية حتى يتسنى للإدارة الأميركية مراجعة هذه المقترحات.
بدوره أكد رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي الثلاثاء تأييد حكومته للمبادرة الروسية بوضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت رقابة دولية، واستعدادها للتعاون مع مختلف المبادرات السياسية لـ'نزع فتيل الحرب' وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية (سانا). في المقابل ندد الائتلاف الوطني السوري المعارض بالعرض الروسي واعتبره 'مناورة سياسية' وطالب بـرد على نظام دمشق لوقف 'آلة القتل التي يستخدمها النظام'.
وقالت الوكالة إن الحلقي أشار إلى أن تأييد الحكومة للمبادرة الروسية جاء انطلاقا مما وصفه الحرص على أرواح المواطنين وأمن سوريا ومنع حدوث حرب قد تمتد تداعياتها إلى أبعد من المنطقة.
كما أكد الحلقي -وفق الوكالة- استعداد دمشق للتعاون مع مختلف المبادرات السياسية الدولية التي تهدف لنزع فتيل الحرب. كما أشار إلى أن الشعب السوري 'يسعى للخروج من الأزمة الراهنة عبر الحوار الوطني، ويرحب بأي مبادرة تصب في هذا الإطار وخاصة مؤتمر جنيف 2' في إشارة للمؤتمر الدولي الذي كانت دعت إليه واشنطن وموسكو قبل أشهر ولم يجد طريقه إلى الانعقاد.
وكان وزير الخارجية وليد المعلم عاد وأكد اليوم أن سوريا 'أعطت موافقتها' على اقتراح موسكو منذ مساء أمس لدى لقائه نظيره الروسي سيرغي لافروف وفق ما نقلت وكالات الأنباء الروسية عن الوزير السوري.
وينص الاقتراح الروسي على وضع مخزون الأسلحة الكيميائية السورية تحت رقابة دولية، ومن ثم التخلص منها. وأعلن المعلم بعد وقت قصير على إعلان الاقتراح على لسان نظيره الروسي وترحيب دمشق به.
وتهدف الخطة الروسية لتجنيب دمشق ضربات عسكرية تخطط الولايات المتحدة لتوجيهها إلى النظام السوري الذي تتهمه بالوقوف وراء هجوم كيميائي وقع في 21 أغسطس/ آب الماضي بريف دمشق وأودى بحياة مئات الأشخاص.
الائتلاف يندد
في المقابل، ندد الائتلاف الوطني السوري باقتراح روسيا وضع الأسلحة الكيميائية السورية تحت إشراف دولي لتجنيب البلاد ضربة عسكرية غربية. واعتبر الائتلاف ذلك 'مناورة سياسية' وطالب بـرد على نظام دمشق.
واعتبر الائتلاف السوري في بيان له أن دعوة (وزير الخارجية الروسي سيرغي) لافروف الأخيرة 'تصب في باب المماطلة غير المجدية والتي ستسبب مزيدا من الموت والدمار للشعب السوري'.
وأكد الائتلاف أن 'مخالفة القانون الدولي تستوجب رداً دولياً حقيقياً ومتناسباً مع حجمها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسقط جرائم الحرب بالتقادم عن مرتكبيها، فالجرائم الجنائية ضد الإنسانية لا تسقط بتقديم تنازلات سياسية، أو بتسليم الأداة التي ارتكبت بها هذه الجرائم'
وفي السياق، قال عضو الائتلاف السوري فايز سارة للجزيرة إن المبادرة الروسية بخصوص السلاح الكيميائي يجب أن تشمل الأسلحة الأخرى التي يستخدمها النظام السوري ضد الشعب والتي لا تقل فتكا عن الكيميائي.
وكان رئيس أركان الجيش السوري الحر اللواء سليم إدريس اتهم كلا من النظام السوري الحاكم وروسيا بالكذب والخداع فيما يتعلق بمبادرة إخضاع دمشق أسلحتها الكيميائية للرقابة الدولية.
وقال إنه لا يثق في نظام بشار الأسد الذي يسعى لكسب الوقت وإقناع العالم بالتراجع عن توجيه ضربة عسكرية ضده، بعد تكاثر عدد الدول المؤيدة لهذه الضربة.
واتهم إدريس النظام السوري وروسيا وإيران بترويج ما وصفها بأكاذيب. وقال إنه لا يقبل إلا بتوجيه الضربات إلى هذا النظام.
كما حذر في اتصال هاتفي مع قناة الجزيرة الأميركيين من الوقوع في شرك الخديعة والتضليل، والتراجع عن توجيه ضربة 'لهذا النظام المجرم الذي قتل الألوف'.
وطلب إدريس ممن وصفهم بالأصدقاء ألا ينخدعوا وألا يتراجعوا عن هذه الضربات، معتبرا أن النظام في دمشق يريد أن يشتري الوقت كي ينجو بجلده.
يُذكر أن الكونغرس الأميركي بدأ الاثنين مناقشة مسألة توجيه الضربة لسوريا، وأن يصوت على ما إذا كان يفترض بواشنطن تنفيذها أم لا، وذلك بناء على طلب من الرئيس باراك أوباما.
من ناحيته اعتبر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي أن المبادرة الروسية بشأن فرض مراقبة دولية على السلاح الكيميائي السوري لا توقف نزيف الدم في سوريا. وجدد الوزراء في اجتماعهم بمدينة جدة السعودية اليوم مطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ إجراءات رادعة ضد النظام السوري، كما أكدوا استعداد دولهم لتداعيات أي ضربة عسكرية محتملة ضد نظام دمشق.
وقال وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة -الذي ترأس بلاده الدورة الحالية لمجلس التعاون- في مؤتمر صحفي عقب اجتماع جدة إن 'القضية لا تتعلق بنوع سلاح واحد، فالنزيف مستمر منذ سنتين ونطلب إيقافه. لقد سئمنا المماطلة والتسويف'. وطالب 'بإنهاء معاناة الشعب السوري'.
وردا على سؤال بشأن موقف مجلس التعاون، أكد أن موقف دول الخليج موحد تجاه سوريا 'لم يتغير ولم يتأثر بأي تصريحات صدرت في اليومين الماضيين، نريد وقف نزيف دم الشعب السوري والمبادرات يُسأل عنها أصحابها'.
كما أكد آل خليفة أن دول الخليج واعية لأخطار تداعيات أي ضربة لسوريا وجاهزة للتعامل معها، مشيرا إلى أن الدول الخليجية لا تجري اتصالات مع واشنطن لتسريع الضربة وإنما بهدف وقف النزيف في سوريا.
وفي كلمته أمام الاجتماع، دعا وزير خارجية البحرين المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات رادعة ومناسبة ضد النظام السوري. وحمل دمشق المسؤولية الكاملة عن 'الجريمة البشعة في الغوطة الشرقية'، مما أسفر عن مقتل المئات يوم 21 أغسطس/آب الماضي.
وجاء اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الست اليوم في وقت خيمت على الحشد الأميركي لضربة عسكرية ضد نظام بشار الأسد اقتراحٌ روسي بفرض رقابة دولية على الأسلحة الكيميائية في سوريا، وهو ما رحب به وزير الخارجية السوري وليد المعلم، في حين وصفته واشنطن بالتطور الإيجابي المحتمل.
وفي هذا السياق اعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما لشبكة 'أن بي سي' أن الخطة قد تشكل اختراقا مهما، 'لكن علينا التشكيك لأن هذا ليس الأسلوب الذي رأيناهم يتصرفون بموجبه خلال السنتين الماضيتين'.
وفي باريس أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس اليوم أن بلاده ستطرح مشروع قرار على مجلس الأمن الدولي ملزم ينص على وضع الأسلحة الكيميائية السورية 'تحت الرقابة وتفكيكها'.
كما أعرب حلفاء واشنطن الأوروبيون عن ترحيبهم بالمبادرة الروسية، وكذلك فعلت جامعة الدول العربية.